Adieu Au Langage (2014)

لجان لوك غودار

trailer

اللغة مسكننا

عندما يعلن غودار أنه يودع اللغة، ترى لغة من  يقصد؟ هل لغته هو كمواطن فرنسي سويسري أم لغته الفرنسية؟ أم اللغة كمفهوم يختزل كينونة الكائن من خلال الإشارات المعتادة للكشف عن مفاهيم مجردة؟أم لغته كسينمائي متفرد في كيفية صياغته لأدواته التعبيرية عبر السينما كلغة عالمية؟

يقول بول ريكور: ”إنَّ فهمَ الإنسان لنفسه وللعالم من حوله يرتكزُ  أساسا على اللغة التي تعبرُ عن هذا الفهم”1

يحس المشاهد المرجعية الحاضرة  لروح هيديغر في ثنايا الفيلم من خلال البحث عن المعنى المستتر للوجود والذي بات لغزا تتقاذفه رحلة الإنسان التائه والباحث عن كينونة أصيلة كما نلمس من بعض القضايا التي يطرحها الفيلم.

لكن ما علاقة مقولات هيدجر الفلسفية حول اللغة بالفيلم وباللغة الفيلمية التي اختار لها غودار كعنوان وداعا لللغة  أو نهاية اللغة ؟ لا يمكن فهم قصد غودار دون المراهنة على أن اللغة هي مسكننا الذي قصده هيدجر.يقول هيدجر في ”الطريق إلى اللغة” أنَّ اللغة هي إحدى وسائل التعبير الأكثر تعقيداً؛ فالكلام يعتمد على الأصوات التي تقوم ببيان الحالات المُختلجة في النفس وتكشف الحالات بدورها عن الأشياء التي تثيرها. هنا يكمنُ فعلُ اللغة؛ في القدرة على الإبانة والكشف والحجب، إضافة إلى قدرتها على ابتكار الرموز وتحويلها؛ فهي تحوِّلُ المحسوسات إلى مدركاتٍ، وتحوِّلُ المُدركات إلى محسوسات.2

لذا  يضع غودار اللغة كأرقى وأخطر وسيلة للتواصل الإنساني ،والتي تبقى  حسبه مجرد وهم، وذلك من خلال قضم وظيفتها .وهذا نوع من الإعلان الإستباقي عن موت في الأفق طالما رأى فيه المخرج المشاكس مكونا ملازما للحياة والحب.هو طلاق نهائي أو شبه نهائي للسينما التي كانت دوما لغة غودار بامتياز وطريقته المثلى في التفكير.يقدم لنا غودار عمله هذا للتعامل معه كما هو كنوع من الكولاج الناظم لأطياف عدة من مقاطع فيديوهات ولقطات موسيقية وعبر ومقولات

7772188961_adieu-au-langage-de-jean-luc-godard.

السينما كطريقة في التفكير

سيحتفل غودار في شهر ديسمبر المقبل بعيد ميلاده الثالث والثمانون وبالرغم من ذلك لا زال الرجل يحتفظ بطبيعته الطفولية في التعبير عن الدهشة والرغبة في الابتكار والمغامرة حيث استمرت معه طوال حياته لتجعل من السينما معنى لحياته لكونه  عاش من أجلها وتنفسها حتى أعمق نقطة فيه.

ليس من السهل أن يتخلص  غودار  الإنسان والمفكر السينمائي من إرثه الثقافي وصورته التي ترقى لمستوى الأسطورة، و كرائد من رواد السينما الحديثة التي بصمت تاريخها المعاصر وشكلت مرجعا بالنسبة للكثير من التيارات الفنية في عالم الفن السابع ،  والتي لا نجد حرجا في نعتها بسينما المؤلف \أو السينما الفكرية.وإذا ما كان هناك من تقاطع بين الفلسفة والسينما فسيكون على مستوى بسط العالم وقضايا الإنسان كمحطات للتأمل بواسطة قرائن استدلالية تشير بالصور للمفاهيم .

 السينما والفلسفة يلتقيان أيضا في كونهما ممارسة ولو من طبيعة مختلفة في عرض واقع افتراضي لا يرقى إلى نسخته الأصلية. الفلسفة تفكر في العالم من خلال مداخل الفرضيات ومحاولة طرح أفكار قابلة للتحقق فيما تحاول السينما تجزيء العالم إلى لحظات سردية تحيل على قطع نموذجية داعية المشاهد لإعادة بنائها وفق أدوات الحدس والمؤانسة.

في سن غودار حيث النضج الفني المرتبط بالتجربة في الحياة تتداخل مواقف الرجل السياسية والفلسفية والفنية بشكل يصعب التفريق بينها حيث شكل بمعية كتاب وفلاسفة آخرين ما سمي بجبهة المقاومة الثقافية ضد أشكال متعددة من المسخ السياسي وتحول المجتمع نحو نوع من الهمجية التي انخرط في إدانتها على سبيل الحصر كل من فوكو وسارتر وأدورنو وغيرهم كثر.

Adieu-Au-Langage-Screens-1

غوادار المخرج /النبي

 غودار كرائد للموجة الجديدة في السينما العالمية لا يمكنه الرهان على فبركة الطرح الفني من خلال تشابك الحكاية أو الرهان على التعقيد، فالرجل يبسط الحياة والعالم من خلال علاقة ثلاثية الأبعاد بين زوج سابق وامرأة وعشيق ثم كلب.تتسم العلاقة بالتوثر والبوهيمية وأحيانا باللامعنى في قالب مثير للشفقة ،خارج عن المألوف من حيث رؤية التصوير وجعل هذه الأخيرة أرقى وسيلة للانصهار بين ذات المخرج كخزان يختزن تصورات عن الواقع  وبين عمله الفيلمي كلغة فردية يتكلمها غودار وحده وكأنه نبي يحاول أن يجعل من السينما المعذبة/ والمنجية من عالم صار مرادفا للبراز.

لذا ترى حضور اهتماماته الأدبية والجمالية بالتصوير الفوتوغرافي وعالم الفنون التشكيلية، والأفلام والكتب والشعر ،حيث بروز المكان “وهو يشكل الطوبوغرافية المجالية التي تمثل العمق الفكري للإنسان ثم الزمان في بعدهما المجازي وخصوصا حضور العلاقة الطبيعية بين الأنثى والذكر والتي تتلقط بعيون ثلاث: عينا الكاميرا الثلاثية الأبعاد والعين الباطنة للمخرج وهي يقوم بالتوليف انطلاقا من تجربته الشخصية في الحياة والفن”.3

بحنكته الإخراجية في التعامل مع التطورات التقنية لا يكتفي غودار باستعمالها فقط ولكن بتوظيفها من أجل تثوير اللغة المجازية للمشاهد،  والتعبير عن رؤيته الشخصية للأفكار التي يسعى للاشتغال عليها مقدرا أن للكاميرا عين .

لم يهتم غودار بالسرد الخطي للفيلم بل جعل منها مرآة للتشويش الذهني الذي يعيشه السينمائي وهو يحاول القبض على تجليات النفس من خلال المزج بين الروبرتاج،والشذرات الأدبية،والكتابة المرافقة للصورة وللكلمات المصورة  كسند يفجر المعنى ليرمي به في تخوم الترادف والازدواجية بل المتاهة التفسيرية ذات المعنى المعتاد أو الواحد.

Adieu-au-langage-Jean-Luc-Godard

رجلان /امرأة / وكلب

جوزيت وجديون البطلان الرئيسيان في فيلم في وداع اللغة قطبان رمزيان للجندر مند آدم وحواء ، بل هما إحالتين عليهما،لكن في سياق حداثي يطرح جملة من القضايا المعاصرة التي امتدت من السينما الى الأدب الغربيين بدءا من المسرح الإغريقي حيث الصراع بين الكائن الهش وعالم الآلهة.

نلمس تذمر الشخصيتين من خلال حياة تركا فيها ليواجها مصيرهما والمتجلية من خلال أدبيات المسرح الغربي الواردة في أعمال يونيسكو وبيكيث وجل أفلام تاركوفسكي وبرغمان وبروسون حيث بات العالم خال من كل تواصل إنساني بل صار مشوها بالمعنى الكافكاوي.

يرمي غودار بالعلاقة الآدمية في ظلمات التيه والخيانة حيث الكلاب وحدها هي الجديرة بالحب وهي تبادلنا الوفاء.النباح يؤثث الأمكنة في دلالة على تراجع الكلام وحلول صنف جديد من اللغة.الكلب بالنسبة لغودار أساسي لأنه الأٌقرب للكائن من كل الأخلاق الزائفة.

هو هنا لا يفوته أن يحتفي في نوع من التأبين الختامي بالجسد كمنتج للمعنى وللحياة  في معناه الديونيسي وبالحيوان وهو درجة خلقية بين الملاك في تصرفه البريئ والإنسان في انحطاطه القيمي.

 يقدم الفيلم الجسد الأنثوي في أدق تفاصيله الحميمية بين المطبخ والمرحاض وممارسة الطقوس اليومية الاعتيادية التي تشكل مقبرة الإنسان المعاصر والموزعة بين الخارج الهارب، والحب والأكل، ومشاهدة التلفاز التي طالما أدانها غودار واعتبرها آلة جهنمية أفرغت الإنسان من قيمته التواصلية ومن ذاكرته الآدمية.

غودار لا يهتم بهاته الكاميرا الرقمية التي صور بها  فقط لأنها  تحقق له مجموعة من الرغبات:

1. لكونها تسعفه في اختبار وتجدير المنحى التجريبي الذي تميز به.

2. لقدرتها على تضخيم الألوان والأحجام حيث تتخذ الأشكال والمناظر الطبيعية منحى شعريا مفككا.

3. لكون عمق المجال يشكل رهانا جماليا والذي تختاره العدسات  حيث يعتبر جزءا أساسيا من عملية البحث عن اللون واللمسة المراد تحقيقها وكأننا أمام لوحة رقمية انطباعية تنبثق فيها المعاني من خلال المزج بين اللعب كماسحات الواجهة الزجاجية للسيارة  وبين التأمل في عناصرالطبيعة.

4. لتمكينه اللعب بالمونتاج على طريقة الطبخة الممزوجة بين الصور والكلمات والإشارات والسخرية من التصوير بالفيديو كأسلوب سوقي على طريقة الوجبة السريعة.

tumblr_nh7l3eRyzg1qmemvwo1_1280

الفيلم: مسارا تأويليا

المعروف عن غودار أن تجربته سواء في أفلام في مدح الحب أو فيلمه  فيلم الاشتراكية الذي قدم بكان سنة 2010 وهو عبارة عن  عرض سلسلة  من الصور من دون أية قصة بل مجرد موسيقى هائمة وكلمات موزعة هنا وهناك على الشريط ،ونفس الشيء نلاحظه في فيلمه الأخير  من قبيل توارد تلك  الإحالات والمقولات المنتسبة للشاعر بول فاليري والفيلسوف ليفيناس  والمفكر الحديث ألان باديو ،وبيير كلاستر وشي غيفارا وماو تسيتونغ بل حتى داروين.

 تتميز هاته التجارب الفيلمية بخروجها عن كلاسيكيات الإخراج السينمائي من حيث الارتباط المرضي بالحكاية ،وبقدسية وحدة المكان والزمن لتصبح التجربة الفيلمية في حد ذاتها مخاضا تأويليا لمشاهد طموح في إنتاج أحاسيس ودلالات تخرج من رحم الترابطات والتناقضات التي يسوقها في تكسير أعمدة القصة بل حتى الشخصية.نفسها الكلمات والأشياء تدخل مجبرة  في صراع دائم  وجدلي بين نطقها على الشريط الصوتي وإبرازها كعلامات حرفية على شاشة العرض.

تحاور السينما اللغة البشرية في تحد سافر للقبض على معاني الثقافة والموت والحب، والوجود لكنهما سرعان ما يتناثران دون أن يتحولان أصلا إلى خطاب متجانس لأن الأصل في الفيلم هو التشظي والقول دون الفصح عن شيء محدد.وبالتالي كل محاولة الفهم السريع تذهب سدى إذا لم ندرك سياق تجربة الرجل.

  يلاحظ  أيضا احتفاء خاص  بصوت السارد المعلق الذي يندمج في فيزياء النص لينبهنا إلى قضاياه من قبيل الحاجة المستقبلية لمترجم يترجم المعاني التي نقصدها في إشارة لغياب التفاهم بين الناس.

المعروف أيضا أن غودار لم يرتح أبدا للتفسيرات الأحادية، لذلك ظل يراوغ الجمهور كما في وداع اللغة ، تارة باللعب على الكلمات وتارة أخرى بالمزج بين أصوات وصور غير متطابقة بل فتح المعنى على مصراعيه من خلال ما يوجد خارج حقل الإطار المصور.

يخرج غودار عن التوظيف المنفعي والمنساق مع الموضة السينمائية لتقاليد هوليوود كي يسمح لنفسه بقلب المعادلة من أجل تسخير التكنولوجيا الرقمية لأغراض تجريبية /شعرية،لأننا بنهاية المطاف أمام شعيرة جنائزية نودع فيها شيئا ما على إيقاع تشاؤمي ميز مسيرة المخرج بين الثقافة والطبيعة.

وبالتالي طقوس الموت حاضرة ليست كمظهرا ولكن كإقرار ضمني بنهاية المؤلف، نهاية الإنسان، ولكن نهاية السينما والحياة ذاتها .إنها إعلان الموت الفاجع لسينما ماتت أصلا ولم تعد ممكنة كما كنا نحلم بها،غير أن غودار لا يقول فقط وداعا ولكنه يقول أيضا مرحبا بكم في عالم الاستفزاز والإثارة حيث الأشياء تظهر لتبقي على حفنة من الأسئلة العالقة والمنذرة بفوضى في الأفق البشري.

1 – ماهو طريق هيدغر إلى اللغة – www.alittihad.ae/details

2 – نفسه

3 -أوليفيي سيغوريت وكابريال بورتزميير

جريدة الليبيراسون الفرنسية

في وداع اللغة / جان لوك غودار

مع هيلواز كودي وزوي برونو،وكمال عبد الإلاه و،ريشارد شافاليي

مونتاج: جانلوك غودار

مدير التصوير:فابريس أراغنو

مساعداالإخراج:جان بول باطاغيا و وفابريس أراغنو

المدة:70 دق

تاريخ الخروج الى القاعات:21 ماي 2014

عزالدين الوافي – باحث في مجال الصورة والسينما

[Azedin El Ouafi]

Adieu Au Langage (2014) was last modified: February 23rd, 2015 by